المفضل بن عمر الجعفي
15
التوحيد
( حال المولود لو ولد فهما عاقلا وتعليل ذلك ) ولو كان المولود يولد فهما ( 1 ) عاقلا ، لأنكر العالم عند ولادته ولبقي حيرانا تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف ، وورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير ، إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم . واعتبر ذلك بأن من سبي بلد وهو عاقل ، يكون كالواله الحيران فلا يسرع إلى تعلم الكلام ، وقبول الأدب ، كما يسرع الذي سبي صغيرا غير عاقل ، ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة ( 2 ) إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصبا بالخرق مسجى ( 3 ) في المهد لأنه لا يستغني عن هذا كله . لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج إلى الدنيا غبيا ( 4 ) غافلا عما فيه أهله ، فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة . ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا ، وشيئا بعد شئ ، وحالا بعد حال : حتى يألف الأشياء ، ويتمرن ويستمر عليها ، فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف ، والاضطرار إلى المعاش بعقله وحيلته ، وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية ، وفي هذا أيضا وجوه أخر ، فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد ، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر ، والعطف عليهم ، عند
--> ( 1 ) الفهم - بفتح فكسر - السريع الفهم . ( 2 ) الغضاضة : هي الذلة والمنقصة - جمعها غضائض . ( 3 ) التسجية : هي التغطية بثوب يمد على الجسم . ( 4 ) على وزن فعيل - وهو القليل الفطنة .